fbpx

الخبير المالي والاقتصادي نبيل جمعة لـ"الجزائر الآن":

“انزلاق الدينار بهذه الوتيرة خطير ويهدد القدرة الشرائية للمواطنين”

الكاتب: عماد الدين . د

شهدنا انزلاق كبير للعملة الوطنية اليوم مقابل الأورو في المعاملات الرسمية بلغ 152 دينار مقابل واحد أورو، وهي نسبة لم تسجل من العديد من السنوات، ماهي أهم الأسباب في رأيك لهذا الأمر؟

لابد من التنبيه بالأول بأنّ السلطات المالية للبلاد ولاسيما وزارة المالية والبنك المركزي، اتفقا على أربع أسس للمحافظة على التسوية للعملة الوطنية في سوق الصرف الرسيمة، يتعلق الأساس الأول بنسبة النمو، أو الناتج الإجمالي الوطني، الأساس الثاني هو حساب الإيرادات الوطنية المتأتية من صادرات المحروقات بالمقام الأول، بالإضافة إلى التنافسية التجارية للجزائر الذي يعتبر الأساس الثالث في هذه المعادلة، وأما الأساس الرابع والأخير هو التوازنات الكبرى ومن أبرزها احتياطات الصرف والأموال الموجودة في الميزان التجاري، وميزان المدفوعات.

وهذه المؤشرات توجد في خلال الأشهر القليلة الماضية في الخانة الحمراء، هل تبرر السقوط الحر للدينار مقابل الأورو؟

نعم بالفعل هي مؤشرات تعتبر في خانة الحمراء السلبية، ولكن الأمر المحيّر هو أن المؤشرات السلبية تتقاسم كل دول العالم بدون استثناء، بل أن الوضع العام للجزائر أفضل من العديد من الدول عبر العالم لم تعاني عملاتها من هذا الانهيار، فالديون الداخلية الجزائرية تمثل 40 في المائة من الناتج الإجمالي، بينما تبلغ الديون للدول الأوروبية ولاسيما فرنسا ما يفوق 120 في المائة من الناتج الإجمالي، وبلغت الديون الأمريكية من الناحية الأخرى 5 ترليون، الامر الذي يجعل انزلاق الدينار الجزائري بهذه الوثيرة، وبالتالي فإنّ هذا التراجع لا يعود إلى العوامل المالية والاقتصادية، بل تقف وراءه أسباب إدارية وضغوط أجنبية، بدليل أنّ المؤشرات المالية الوطنية ليست في الأحمر، بالمقارنة مع هذه الدول، بما في ذلك الدول العربية والمغاربية على غرار المغرب ومصر التي لجأت مؤخرا إلى طلب قرض من صندوق النقد الدولي ولم يسجل الجنيه المصري هذا الانخفاض مقابل الدولار أو الأورو، ولكنها لم تعوم العملة المحلية لها.

في هذا السياق مع أسباب هذا التراجع للعملة الوطنية في رأيك؟

أعتقد أنّ الامر يتعلق باتفاق مسبق بين السلطات المالية وهيئات المالية الأجنبية، وأظن أن فترة الأزمة والحجر الصحي المنزلي كانت مناسبة للجهات المسؤولة لتخفيض قيمة الدينار الجزائري، من دون إثارة الجبهة الاجتماعية، فقوانين المالية كانت تعتمد على قيمة دولار يساوي 118 دينار بينما يصل الآن إلى 140 دينار، وهذا الأمر يؤثر مباشرة على السيادة الوطنية، من خلال زعزعة قيمة العملة الوطنية بهذا الشكل، وكأن سيناريو تخفيض الدينار في العشرية السوداء يتكرر، حين اضطرت الجزائر إلى تخفيضه 850 في المائة من 7 دينار مقابل 1 دولار في  1990، إلى 67 دينار مقابل واحد دولار سنة 1999، وإن كان في تلك الفترة اضطرت الجزائر إلى الاستدانة من الهيئات المالية الأجنبية عكس الآن، ومنذ 2015 إلى اليوم تراجعت قيمة العملة الوطنية بنسبة 100 في المائة، ساحبة معها القدرة الشرائية للمواطنين نحو الحضيض، وهو الأمر الذي يثير العديد من علامات الاستفهام الكبيرة ندق من خلالها ناقوس الخطر، وكأننا نطبق حرفيا شروط صندوق النقد الدولي، وهو المنحنى الذي تستمر الجزائر من اتبعاه منذ 30 سنة، حتى خلال الفترة التي سجلت فيها أسعار المحروقات مستويات قياسية بلغت 140 دولار، وبعتها في ذلك احتياطات الصرف مسجلة 200 مليار دولار، حيث لم ترتفع قيمة العملة الوطنية بل اعتمد إلى تخفيضها على الرغم من جميع المؤشرات.

ألا يمكن ان يرتبط هذا الأمر بالتداعيات ذات العلاقة بخطوة التمويل غير التقليدي وطباعة النقود؟

لا أعتقد أن أموال التمويل غير التقليدي تؤثر على قيمة الدينار بهذا الشكل، لاسيما وأنّ قانون تسوية الميزانية تكشف أنّ الكتلة النقدية التي طبعت في هذا الاتجاه لم دخل “العجينة” الاقتصادية، ولم يظهر لها أي تأثير، بالإضافة إلى وجود حوالي 60 مليار، حسب التقارير الدولية، في السوق الموازية، يمكن تحقيق التوازن من خلالها، وبالتالي فإنّ اشكال العملة الوطنية إداري بالمقام الأول ويؤثر على السيادة الوطنية التي تمثلها هذه العملة، في وقت تملك الجزائر العديد من الضمانات وثروات لتحقيق التوازن المالي المنشود.

في ظل هذه المؤشرات هل ستعرف فاتورة الواردات الوطنية ارتفاعا، من منطق أنّ الدول الأوروبية التي تتعامل بالأورو، تعتبر من أوائل الممونين والمصدرين للسوق الوطنية؟

بعد انهيار أسعار البرميل في الأشهر القليلة الماضية تواقعنا أن تتراجع المداخيل الوطنية إلى 17 مليار دولار بعدما فاقت في السنوات التي سبقت 35 مليار دولار، وبالتالي ضياع حوالي 18 مليار دولار من جراء تراجع سعر الخام، بينما توقعت الحكومة في قانون المالية التكميلي استيراد 31 مليار دولار وهو امر غير منطقي وسبب خلل للتوازن المالي والاقتصادي والتجاري للبلاد، على اعتبار أنّ التوقعات السابقة كان تشير إلى استيراد ما لا يتجاوز 15 مليار دولار، وهو الأمر الذي جعلنا نطالب بالشفافية في مجال التعامل مع التجارة الخارجية ومعاملات الاستيراد والتصدير.