محي الدين عميمور يكتب : أزمة كورونا

الكاتب: بقلم الدكتور محي الدين عميمور لموقع " الرأي اليوم "

 

 

بدت شوارع العاصمة الجزائرية طوال يوم الجمعة الماضي وكأنها المدينة ساعة الإفطار في رمضان، وبحيث كان بإمكان قطة حديثة الولادة أن تعابث صغارها في وسط الطريق الذي بدا فارغا بل وموحشا.
واختفت حشود العاطلين والكهول الذين عرفهم وسط المدينة في الجمعة التي سبقتها وهو يرفعون شعارات تشكك في وباء الكورونا، وتتحدى السلطات لكي تجرؤ على التصدي لتظاهرات، كان من أبرز صورها شيوخ حملوا لافتات تتبنى ما قيل إن تعبير عن إرادة طلبة لم يرهم أحد، بينما عاد البعض لرفع شعارات “مدنية لا عسكرية”. وكان من أهم ما برز من شعارات لافتة كشفت الخلفية الحقيقية للحراك المزيف الذي افتعل في الأسابيع الأخيرة، أعلنت رفضها للاستفتاء المقترح على الدستور مطالبة بمجلس تأسيسي، وهو الشعار الذي يجسد رفض التوجهات الفرانكولائكية لمسيرة الاستقلال منذ 1962، وظل يُرفع في الجمعات الأخيرة التي عرفت انفضاض الجماهير الجزائرية عن تجمعات ركبتها توجهات متناقضة مع إرادة جماهير 22 فبراير 2019.
وكان السؤال الذي تردد بشكل مُلحّ: كيف اختفت تلك التجمعات بهذا الشكل الذي بدا مفاجئا بالنسبة لأي تظاهرات شعبية تلقائية، من الممكن أن يتناقص عدد المشاركين فيها إثر دعوات السلطات العمومية إلى تفادي التجمعات إثر تصاعد الأخبار عن وباء “كورونا”، لكن الاختفاء الكامل، وليس مجرد التقلص النسبي، جعل الإجابة الوحيدة الممكنة هي أن المتظاهرين الذين كنا نراهم في الجمعات الأخيرة تلقوا “الأمر” بأن مهمتهم انتهت.
ولست أحب أن أتفق مع من قال بأن التمويل توقف والتحريض انتهى، خصوصا وأن كل الوجوه السياسية التي لمعت خلال جمعات ماضية اختفت تماما، حتى في وسائل الإعلام الأجنبية التي فشلت في انتزاع تصريح واحد للقيادات التي حاولت في الشهور الماضية أن تعطي لنفسها حق تجسيد الحراك الشعبي والتعبير عن مطالبه.
ولست أحب أن أعود لكل ما سبق أن قلته، حتى لا يبدو أنني أتشفي فيمن أخطأوا الطريق، وخصوصا منهم أشباه المثقفين الذين كانوا يجترون تعبيرات تشكك في شرعية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومنهم من كان يتوجه لعبد المجيد تبون باستعمال لقب “السيد”، تفاديا لكلمة “الرئيس”.
لكنني رأيت أن شعبنا يتابع ما يحدث بكل اهتمام، ويثبت في كل يوم وعيه وإدراكه وتفهمه لمطالبة السلطات بالبقاء في البيوت للتخفيف من عملية انتقال العدوى، ولعل مما يثبت هذا مقارنة اللقطات التي تصور وضعية الشوارع في الجزائر ومثيلاتها في باريس، حيث تجمعت الناقلات العسكرية في عاصمة الجن والملائكة لردع من يحاولون مواصلة تظاهرات الشهور الماضية من أصحاب السترات الصفراء.
وفي حين راح تجار جزائريون كثيرون يضعون على قارعة الطريق مواد غذائية مجانا تحت تصرف المحتاجين، في رفض واضح وعمليّ لبعض التجاوزات التي قمعتها مصالح الأمن، أوردت لقطات متلفزة التزاحم الأحمق في بعض المتاجر الأوربية التي تبيع المواد الاستهلاكية (وقد شاهدت صورا مماثلة للتضامن المجتمعي في كل من تونس والمغرب).
وراح الشباب الرائع يدعم عمليات التطهير التي تقوم بها البلديات، وبينما اختفى العديد من رجال الدين، الذين استعملوا كواجهة للتوجهات الرافضة للانتخابات الرئاسية، وهكذا لم نسمع منهم اليوم نداء واحدا يطمئن الشعب ويحثه على اتباع حديث سيد المرسلين عن الاحتياط من انتشار الوباء، لكن آخرين، ومن بينهم الشيخ شمس الدين الشهير، راحوا يحملون على ظهورهم خزان المادة المطهرة ويقومون بتعقيم الأرصفة والسيارات.
وشكلت مواقع التواصل الاجتماعي منابر متميزة عبر فيها الجزائريون عن مشاعرهم تجاه ما يعرفه العالم، وراح كثيرون يركزون على ما يثبت أن الوطن العربي أعطى للعالم كله صورة مشرفة للتضامن الإنساني، بدت متناقضة تماما مع ما عبّر عنه الرئيس الصربي من خيبة أمل تجاه رفض الاتحاد الأوربي تزويد بلاده ببعض حاجياتها لمواجهة الوباء.
وفي هذا الصدد، خفتت تماما أصوات “الجماعة” الذين وقفوا ضد الانتخابات الرئاسية وراح أتباعهم يسخرون من مبادرة رمزية قامت بها الجزائر، بإرسالها بعض العتاد الطبي للصين في بداية أيام الوباء، وكان أخطر ما في الأمر أن الجماهير الجزائرية تذكرت تلك السخرية وهي تتابع مؤخرا أخبار إرسال الصين بوفد طبي مؤهل لمساعدة الجزائر على مواجهة “الكورونا”، وتأكد الجزائريون من سوء نية كل من تناقضوا مع مسيرة الجزائر السياسية في العام الماضي للخروج من الأزمة السياسية بالاحترام الكامل للدستور.
وكان الأكثر خطورة بالنسبة للجماعة أن هذا كلّه ذكر المواطنين بالمواقف البعيدة عن الأخلاق الإسلامية والمشاعر الوطنية التي “ارتكبتها” عناصر من “الأتباع” إثر وفاة الفريق أحمد قايد صالح، والتي كان من بينها عبارات تشفٍّ ساقطة جاءت في مواقع تواصل اجتماعي، تسخر من أناس يجرون وراء “جثة”، في إشارة لتشييع جنازة رئيس الأركان الراحل.
وقد يبدو أن في استعراضي لهذه الأمور نوعا من الخروج عن العفة في مرحلة نواجه فيها أخطر وباء عرفته العصور الحديثة، لكنني، وبخبرة نحو نصف قرن من الممارسة السياسية، وصلت إلى اليقين من أن أكبر أخطائنا كان اتباعنا لمنطق “عفا الله عمّا سلف”، وتناسي ما ارتكبه البعض في حق أمتنا من خطايا جعلت الفتنة لا تصيب الذين ظلموا منا خاصة، بل أصابت شظاياها الجميع.
ولأننا نسينا بأن هناك عدة آلاف من الجزائريين صوتوا ضد الاستقلال في 1962، وسمحنا لهؤلاء بالتسرب إلى مفاصل الدولة مع آخرين ممن كان يطلق عليهم دفعة “لاكوست”، فقد دفعنا الثمن غاليا عندما تسبب هؤلاء وأولئك في مظاهر الفشل والقصور بل والتقصير التي أصابت عملية التنمية الوطنية، وخصوصا في الميدان الفلاحي، وبصورة أكثر خطورة في ميدان التعليم، وهو ما أزعم أنني حاولت مواجهته في الثمانينيات بسلسلة مقالات أسماها الرفقاء : مقالات التحذير من “الطلقاء”، حيث ذكرت آنذاك بما قام به طلقاء الإسلام.
ومن هنا فلست أتناقض مع توجهات شعبنا وأنا أسجل هذه المعطيات بجانب معطيات أخرى كشفت عنها أزمة “الكورونا”، وبدت فيها عظمة الشعب الذي كان البعض يسخر منه في الأسابيع الماضية، ويتهمه بأنه يعيش على أمجاد الماضي وما زال يتغنى بهزيمته لأقوى قوى المتوسط، وبعض هذا قرأناه هنا في “رأي اليوم”.
وأقرأ في “الفيس بوك” لمن يقول: رياض محرز (الرياضي الجزائري) تبرع بـ 4,5 مليون أورو فأين لصوص العقود الأربعه، ربراب ( رجل أعمال تبرع العام الماضي بمبلغ 60 مليون أورو لترميم كنيسة “نوتر دام دو باري” عند احتراقها بفعل النيران .. وقيل إنه وطني.! ) وحداد وطحكوت وصاحب الياغورت والكيران (رئيس الحكومة الأسبق)..وكل من نهب ثروات الشعب الجزائري. أين زيدان (لاعب الكرة) الذي أكرمه بوتفليقه بأعلى وسام وطني.. وهو فرنسي الجنسية وزوجته أسبانية..أين الانتماء للوطن؟؟
ورحت أراجع مواقع التواصل الاجتماعي وأقرأ لسفيان مكنين وهو يقول:
بينما تتحمل الجزائر مهمة إجلاء رعاياها تنصح بريطانيا “العظمى” رعاياها في الكويت بالاتصال ببيت الزكاة.
ويكتب إبراهيم قارعلي: “يدفع المواطنون أو المشتبه بهم أو المصابون بفيروس كورونا في مختلف دول العالم ، ثمن التحاليل المخبرية الطبية، مثلما يدفعون كذلك من جيوبهم ثمن الإقامة الطبية في المستشفيات !.
أما في الجزائر (وفي دول عربية أخرى للأمانة) فإن الدولة أو البقرة الحلوب التي تحولت إلى بقرة اليتامى هي التي تدفع للمواطن ثمن تذكرة الطائرة والباخرة عند العودة، وبعدها تدفع له ثمن الإقامة في الفنادق ذات النجوم الخمس عدد أيام الحجر الصحي، كما تدفع بالنيابة عن جيبه ثمن التحاليل المخبرية لتتأكد من سلامته الصحية وخلوه من العدوى الفيروسية.
لا ، بل الأكثر من ذلك ، يبقى العمال والعاملات وخاصة ذوات الأولاد في البيوت وتدفع لهم الدولة طيلة أيام الحجر الصحي أجرتهم الشهرية ولا تقطع عنهم الغاز والكهرباء والهاتف والأنترنيت حين لا يدفعون الفواتير، ولكنهم يخرقون الحظر ولا يشكرون !!!…
ومع ذلك ، فإن هذا المواطن فوق العادة مازال يسخر ويستهزئ من الأصبع الزرقاء وهو في كل مرة يضع أصبعه في أنفه ليخرج منه ما علق به من زرقة، فاحذر يا هذا من أن تضع أصبعك في مكان آخر وأنت في كل مرة تحك في غير موضع الحك.
(والواقع إن الجحود يأتي من قلة استفادت من تعاملنا بمنطق “العفو عمّا سلف”، ومن إيماننا بمقولة “خير الخطائين التوابون”، في حين أننا لم نفرق بين التوبة والتقية، وهذا سرّ إصراري على ألا أخفي مشاعري)
وتكتب فريدة غواس، مع بعض التصرف: “أعيدوا ترتيب المجتمع من جديد. لقد اختفى التافهون والجهلة ومنشطو البرامج التافهة وبقي الوطن : أستاذ يتواصل مع طلبته ليدرس لهم ما بقي من مقرراتهم، وطبيب لا يخاف الموت، يداوي مرضاه رغم احتمال العدوى، وجندي على الحدود يسهر على حماية الوطن تاركا أبنائه في رعاية المجتمع، وعالم يسابق الزمن ليجد علاجا ناجحا للوباء. أظن أن الرسالة وصلت، فأعيدوا ترتيب المجتمع.”
والشاهد هنا هو أن الأقنعة سقطت، وأصحاب الشعارات الزائفة انكشفوا، وفشلت محاولات انتزاع عذرية مفتعلة لمواقف تناقضت مع استقلال الجزائر، ورفضت الاعتراف بما شيده الرجال منذ 1962، لمجرد أنهم لم يساهموا فيه بلبنة واحدة، لكيلا أبالغ فأقول …بحبة رمل.
وبغض النظر عن عثرات أتصور أنها من نتائج المفاجأة التي صدمت الجميع فإن السلطات الجزائرية، مثلها في ذلك مثل سلطات المغرب العربي ومعظم البلدان العربية كانت في مستوى الحدث، وخصوصا فيما يتعلق بمواجهة بعض المبالغات المرتبطة بإغلاق المساجد، ومنها تلك التي قالت بأن المولى عز وجل يعاقبنا لأننا فتحنا الباب، وخصوصا في مواقع معينة، أمام الكباريهات ودور اللهو وقاعات القمار.

مفكر ووزير اعلام جزائري سابق