عمود من الآخر بقلم سليمة بلحاج

توقفوا عن حشد الناس حول طابو بعائلته !!

الكاتب: بقلم سليمة بلحاج

 

كتبته: سليمة بلحاج

الهرج والمرج حول محاكمة كريم طابو هو مجرد غلاف. غلاف بالطابع الإنساني والحقوقي. هذا الغلاف يحشد… يحشد الجماهير التي تنساق بالعاطفة والمشاعر الفياضة. طبعا تنساق لأنها ترى زوجة طابو تبكي وتشتكي أمام الموبايلات والكاميرات المنتصبة أمامها، حيث سيُظهرونها من حيث لا تدري، في المساء على الشاشات، والصفحات الفايسبوكية الممولة من جهات مالية غير معلنة.

طبعا، هذا الغلاف يحشد. كنت من بوليفيا أو من ميانمار أو من فلسطينيّي الشتات. ستتأثر عندما ترى أبناء كريم طابو، يرفعون صورة والدهم وسط الحشود يلقنونهم ماذا ينبغي أن يقولوا أمام الكاميرات. من منّا لا يتعاطف مع طفل يبكي أباه، مهما كان والده مذنبا. لكن ما لا يعرفه المحاولون لتصميم الغلاف لصناعة “قضية وطنية” بكريم طابو ،أنه حتى في المتعاطفين معه ميدانيا صنفان.

الصنف الأول يتعاطف مع زوجة وأبناء طابو المتباكين، بمعزل عن كريم طابو.

الصنف الثاني أصحاب عاطفة إصطناعية يحاولون حشد الجماهير من حول كريم طابو، لأهداف لا يعرفها الصنف الأول وهم قياسا بشعورنا العام، أكبر عددا من أصحاب “العاطفة الطابووية” المصطنعة. وهنا وجب على صاحب العاطفة والعقل أن يتأملان :

مبدئيا أي شخص محروم من حريته مهما كان جرمه، يحتفظ له الضمير الإنساني بهامش من التعاطف. حتى من باب “يا خسارة.. ما كان ينبغي له أن يفعل كذا وكذا..ماذا لو فعل كذا وكذا بدل كذا وكذا..لماذا لم يستشر قبل كذا وكذا..” وهذا التعاطف، هو ما يسمى بواجب الضمير الإنساني، تجاه كل مجرم..مهما كان جرمه..إنها السليقة الانسانية..

في الحالة “الطابووية”..ما الفرق؟

حالة كريم طابو، يصدق عليها العاطفة الجياشة للضمير الإنساني، لكن أبدا..لا يصدق معها التعاطف حينما نمسك ما يقترفه، من خيط الأهداف من حركاته و خرجاته وخطابه وتحالفاته ولصالح من يفعل ذلك؟

أين كان هذا التعاطف مع كريم طابو لسنوات عندما بصق على حزب حسين آيت أحمد من الآباء الروحيين لثورتنا؟ ألم يكن طابو محقا عندما اختلف مع حسين آيت أحمد؟ أليس هنا هو المقام الحقيقي لكي يتعاطف من يريد التعاطف مع طابو، لأنه قصم الأبوية السياسية وأنهى النزعة الزعامتية في أقدم حزب سياسي معارض؟

أليس هنا كان يستحق طابو التكريم الذي يحالون منحه إياه اليوم؟ بيد أن كريم طابو انخرط في نظام بوتفليقة بعد ذلك من خلال الالتحاق بتشريعيات طعن فيها هو شخصيا، بل وطعن في حزب مثله الأعلى حسين آيت أحمد متهما إياه بحزب قبل بمقاعد مزورة، وهو ينتمي للحزب نفسه..ما حكم  طابو بالنظرة الأفافاسية خائن أم لا؟ الإجابة ..أن نعم لا ينكرها إلا جاحد

كريم طابو كان يعلم بأن من خطة بوتفليقة، أن يفسح مجالا لصويتين أو ثلاثة من نشطاء المعارضة للنشاط في المشهد السياسي، مع ضمان حد أدنى من الخبز (راتبه في البرلمان)، لكن مع قيود وشروط..أعطيك منصبا في البرلمان، وتلعن أصلك السياسي الأفافاس وتبصق عليه، وتأكل الخبز مع برلمان الحفافات، وأمنيك بأنك ستتحصل على اعتماد حزبك..

طيلة كل هذه السنوات، كريم طابو، لم يكن بطلا !! كما يحاول أن يبيّنه لنا العاطفيون من حوله و يلعبون ورقة زوجته وأبنائه الأبرياء في الشارع وتحت عدسات الموبايلات لصب أحاسيسهم البريئة في التواصل الاجتماعي، كل مساء، لحشد الناس ومحاولة صناعة قضية من كريم طابو.

كريم كان يعارض بوتفليقة بأموال بوتفليقة. ببرلمان بوتفليقة. وهو بذلك ليس أرقى مكانة ممن كانوا يبدون الولاء لبوتفليقة، لكن يعارضونه خفية ويعملون على فضح رجاله ومن حوله من المافيا..وكانوا يتألمون بقلوبهم لقصر أيديهم..

كريم طابو أجرم في حق نفسه عندما قبل بدور الواجهة المعارضاتية في عهد بوتفليقة.  أتدرون لماذا؟ لأن فرنسا التي كانت تعيش في ADN النظام الجزائري، لم تكن يومها، بحاجة إلى طابو ولم تجعل  يوما من قضيته ـ إن كان يملك قضية أصلا ـ موضوعا لوسائل إعلامها كما تفعل اليوم..

لقد كان لفرنسا يومها سلال وبوشوارب وأويحي وحداد وطحكوت وعشرات رجال الأعمال يهرّبون لها الاموال من الجزائر لتستقر في بنوكها..

اليوم هؤلاء كلهم في السجن. فرنسا لم تعد تملك الرجال الذين تزرعهم في الحمض النووي للجمهورية الجديدة، فوجب عليها أن تصنع رجالا..رجال من أمثال طابو وبومالة يطلبون التدخل الخارجي..رجال جدد تحاول فرنسا أن تتموقع بهم من جديد في الجزائر..لكن كي تنجح في هذا عليها أن تلعب ورقة العاطفة، وهي ورقة رابحة..فرنسا تعرفنا جيدا بأننا شعب حسّاس ومرهف ومشاعره رقيقة رقة خيط الحرير..

 يستطيع مغني مثل معطوب أو حسني رحمهما الله أن يقودا أمة ..يستطيع لاعب كرة أن يؤثر في رأينا العام..إذن بالنسبة لفرنسا ورقة كريم طابو المحرض على العنف و جماعته، هي رهان رابح قد يكسبها رهان التموقع في نخاع الجزائر تارة أخرى، بينما تقود الجمهورية الجديدة عملية إستئصال لورم فرنسا من النظام..