كورونا.. بين التوكل والتواكل

الكاتب: بقلم الدكتور عبد الله الشيعاني

منذ الإعلان عن انتشار فيروس كورونا المستجد في الصين، استهان العالم بهذا المرض، ومع مرور الأيام تفشى ليصبح وباء في جميع أنحاء العالم، وحاول العلماء جاهدين بكل ما يمتلكونه من مقدرات ومعامل على فك شيفرة الفيروس “كوفيد-19” للحيلولة دون انتشاره.
وبحسب وكالات الأنباء تشير المقارنات الجينومية إلى أن فيروس كورونا الجديد أو “سارس-كوف-2” هو نتيجة إعادة التركيب بين فيروسين مختلفين، مما يعني أن المصدر الدقيق للفيروس لا يزال غير واضح.
وحتى أمس السبت أودى المرض بحياة أكثر من أحد عشر ألف شخص حول العالم، وأصاب ما يزيد على ربع مليون إنسان، وهو عدد في ازدياد مضطرد، وقد قامت الحكومات باتخاذ الإجراءات الوقائية من أجل حماية شعوبها، فقامت بإغلاق الحدود والمنافذ الجوية والبرية والبحرية، وحدت من المناسبات العامة، والتجمعات في المقاهي والأسواق، وأغلقت دور العبادة من أجل التقليل من مخاطر انتشار المرض.
كل هذه الإجراءات ولا يزال البعض يستهتر بعواقبه، مستدلين بأن التوكل على الله هو الأساس: ” قُل لّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ”، متناسين قوله صلى الله عليه وسلم حينما قال له رجلٌ يا رسولَ اللهِ: أعقِلُها وأتوكَّلُ أو أُطلقُها وأتوكَّلُ، فقال: “اعقِلها وتوكَّلْ” ، فالتوكل على الله تعالى والاعتماد عليه أصل ثابت من أصول الإيمان بالله والتوحيد، قال تعالى: “وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ”، فالتوكل مع الأخذ بالأسباب هو ما أراده الله سبحانه وتعالى، ونحن في هذه المحنة التي تمر بها الأمة، علينا أن نتكاتف جميعاً من أجل الوقوف صفاً واحداً للحد من انتشار المرض، حتى وإن كنا بفضل الله أصحاء، فبيننا أحباء قد أنهكهم المرض، وتكالبت عليهم السنون، وهم آباؤنا وأمهاتنا، وربما نفقدهم بسبب تواكلنا، فننقل الوباء إليهم وهم في غفلة لا يشعرون.
من الدروس التي استفدناها من هذه التجربة المريرة أن كورونا أعادنا إلى البيت، بعد أن كنا نسينا الدفء الذي في جنباته، وعادت الأسرة تلتقي مرة أخرى على مائدة الطعام بعدما غيبتها حياة المدنية، وعادت بيوتنا تصدح بالإيمان وذكر الرحمن، وعادت إلى أعيننا دمعة الحزن حينما سمعنا في بيوت الرحمن “صلوا في رحالكم”، ولكننا موقنون أن الفرج قريب، ولا بد بعد الليل أن يأتي الصبح الجميل، وفيه ستشرق شمس الغد، وتعود الحياة من جديد، ويعود الأمل، قال تعالى : “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ”.