الإعلام بين الشمال والجنوب

الكاتب: بقلم الدكتور عبد الله الشيعاني

نقلت وكالات الأنباء قبل أيام خبر حادثتي إطلاق النار التي وقعت في ألمانيا، وأعلنت الشرطة الألمانية عن مقتل تسعة أشخاص في مدينة هاناو، ومن ثم العثور على المشتبه به صريعاً وبجانبه جثة والدته، ونسبت القاتل إلى جماعة اليمين المتطرف.

وللتذكير فإن اليمين المتطرف مصطلح يطلقه المراقبون السياسيون على الكتل والأحزاب السياسية التي لا يمكن اعتبارها ضمن جماعات اليمين السياسية التقليدية التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع، ويكمن الاختلاف الوحيد بين جماعات اليمين التقليدية أو المعتدلة وبين المتطرفة أن الأخيرة تدعو إلى التدخل القسري واستخدام العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم، ولذلك عادة ما ترفض تلك التيارات هذا الوصف لأنها تزعم أنها تمثل الاتجاه العام وتنقل صوت الأغلبية.

إن هذه الحادثة لم تكن الأولى في ألمانيا، فقد شهدت في السنوات الأخيرة عدة حوادث وقف خلفها اليمين المتطرف، وكان من أسباب صعود هذه الطائفة قرار المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عام 2015م، باستيعاب مليون مهاجر تدفقوا إلى ألمانيا نازحين من ويلات الحروب في بلادهم، فقد أكلت الحرب الأخضر واليابس، وأهلكت الحرث والنسل، ولولا سمعة ألمانيا الطيبة وعدل قادتها؛ لما هرب إليها اللاجئون واحتمى بها المشردون، وقطعوا آلاف الكيلومترات من أجل لقمة العيش، ولكنهم أدركوا أن مرارة الغربة لا تقل أبداً عن مرارة البقاء في أوطانهم.

لقد برر البعض تصرف حزب اليمين، وتحدث عنه دون الحديث عن الفاعل، ولو أردنا عمل مقارنة بسيطة لقياس مدى الاستجابة لردة الفعل في الإعلام الغربي إن كان الجاني عربيا؛ فإنني أعتقد جازماً بأن صيغة الخبر ستكون مختلفة، سيلتفت الإعلام إلى الفاعل ويلاحق كل من كان حوله، ومصدر عيشه، وانتماءه الحزبي، ثم تُلصق إليه تهمة الإرهاب الدولي، وتتلاقف الصحف خبره وتفرد له المقالات، وتجعل من ردة الفعل ضده أكثر من التحذير من الإصابة بكورونا، ولأن الجاني هذه المرة يميني متطرف فإن أسباب القتل ستصبح مختلفة، إذ ربما يكون مضطرباً نفسياً وسبق أن زار عيادة متخصصة وصُرف له علاج للاكتئاب، فأقدم على هذه الفعلة وهو في حالة هيجان غير مقصود، وحينئذ سيتعاطف معه العامة، وتوضع على قبره الشموع، وربما تنادي جمعيات المجتمع المدني بوضع لافتة على الشارع باسمه، هناك فرق تعلمناه من جامعة الحياة أن الإنسان في الشمال يختلف عن الإنسان في الجنوب حتى في وسائل الإعلام!