الجزائر: ابتسامة الليث وقمة للمغرب العربي

الكاتب: منقول عن الرأي اليوم بقلم الدكتور محي الدين عميمور

قام الرئيس الجزائري هواري بو مدين إثر الانتخابات الرئاسية في 1977 بتكوين حكومة جديدة، كانت هي آخر حكوماته، وأحدثت ردود فعل سلبية لعلها تشبه ما عشناه هذه الأيام.

كنت أعمل إلى جانب الرئيس الراحل كمستشار إعلامي، واستدعاني كعادته لأطلعه على ما لم يرِد في النشرة اليومية التي كنت أرسل له فيها الأخبار والتعليقات الصحفية والتقارير الإعلامية وغير ذلك.

وفاجأني الرئيس وأنا أجلس أمامه بالسؤال: ماذا يقول الناس عن الانتخابات ؟

وباندفاعي المعتاد قلت إن ” الشعب …”، فقاطعني متسائلا: ” هذا رأي الشعب أم رأي أصحابك؟”.

وأجبت على الفور: آرائي هي مجموع ما أسمعه ممن هم حولي، أهلاً وأصدقاء وصحفيين بل ومن سائقي وحارسي و…”، ويقاطعني ثانية ضاحكا: “تفضل، ما هو رأي هذا الشعب ؟”.

وقلت له، ودائما كعادتي التي كان له فضلُ تشجيعي عليها: الشعب يقول “نحن اخترناك فنظّفْ حولك ممن تحملناهم من أجلك”.

ويردّ بو مدين بغضب بدا لي مفتعلا: لست على استعداد للقيام بـ19 يونيو جديد (التغيير الانقلابي الذي عُزل به الرئيس أحمد بن بله وسُمّي بالتصحيح الثوري ) هناك مؤتمر سنعقده العام المقبل وعلى كلٍ أن يتحمل مسؤولياته في هذا المؤتمر”.

وفهمت بأنه يريد القول بأن مؤتمر الحزب هو من يجب أن يتخذ قرارات التطهير ولا ينتظر أن يقوم الرئيس بكل شيئ، وكفى انطلاقا من شعار “اذهب أنت وربك فقاتلا…”

وأتوقف لحظات لأقول إن كل هذا قد نشر منذ سنوات وسنوات، وهو موجود في أكثر من كتاب تناول ذكرياتي، وأقوله كردّ مسبق على من يعتقد أنه سوف يحرجني بالسؤال المعتاد: لماذا لم تقل هذا قبل اليوم ؟”.

وعودة إلى السبعينيات.

كان واضحا أن تشكيل الحكومة آنذاك تم في إطار ضغوط مارسها بعض أعضاء مجلس الثورة الذي جاء به التصحيح الثوري، وكان الرئيس مضطرا لأخذ رأي أعضاء المجلس الذين تقلص عددهم إلى ثمانية، بعد أن مات من مات ( العقيد عباس وصالح السوفي ومدغري وعثمان) وتنحّى من تنحّى ( شريف بالقاسم وصوت العرب ) واستبعدت الأحداث من تناقضوا مع المسيرة (قايد أحمد وطاهر زبيري) وهو ما كنت أحس بأن وراءه عقدة أصيب بها الرئيس خلفيتها اتهامه بأنه يستأثر بالأمر ويُصفّي من يختلف معه من الرفاق.

وتمكن بو مدين من تحجيم مراكز نفوذ كان الشائع أنها تحولت إلى دولة داخل الدولة (بن شريف – درايا – بلعيد) وفشل في التعامل مع قضية تطوير الزراعة (الطيبي) وقبِل في هذا الإطار تعيين وزراء بطلب أو بضغوط من رفقائه، لأنه كان يريد تحقيق أكبر حجم ممكن من التوافق يمكنه من إعداد مؤتمر الحزب، الذي كان منتظرا منه إجراء تغييرات مفصلية ومحورية في مسيرة الجزائر، التي كان بعض الأشقاء يرددون بنوع من الغيظ أنها تعمل لتكون “يابان” إفريقيا.

كانت هذه هي النظرة التي تابعتُ بها تكوين الحكومة الأولى للرئيس عبد المجيد تبون، والتي تناولتُ بعض ما أحاط بها من أخطاء وعثرات في الحديث الماضي، وكان من أبرز سلبياتها تعيين عناصر كانت تجاهر بعدائها لمسيرة الجزائر في الشهور الماضية، وإلى درجة أن من وزراء اليوم من كتب قبل قبوله للتعيين يقول، إثر إعلان نتائج الانتخابات، بأنه لا يعترف بتبون رئيسا.

كان واضحا أن جيراننا في الشمال اتخذوا منذ اليوم الأول للحراك موقف التضامن مع من كانوا يدعون لمرحلة انتقالية تتجاهل نصوص الدستور، ووصل الأمر مع هؤلاء مؤخرا إلى حدّ تنظيم مظاهرات تتهم رئيس أركان المؤسسة العسكرية بالخيانة، بل ورفضِ مجرد الترحم على قايد صالح إثر وفاته، وهو ما جاهر به بعض من عُيّنوا حديثا.

وكانت الأقلية النشطة من خصوم الاتجاه الدستوري قد تمكنت من فرض منطق الطائرة المختطفة على بعض مناطق البلاد والجزائريين في المهجر الفرنسي، والفرنسي وحده، وهو ما كان واضحا أنه قوبل بعين الرضا من السلطات في بلاد الجنّ والملائكة واستفاد من رعايتها، وتأكد ذلك في ردّ الفعل الرئاسي الفرنسي الأول على نتائج الانتخابات الرئاسية في الجزائر، والذي تراجع بسرعة عندما أظهر الجانب الجزائري عيناً حمراء وتقطيبة هادئة، وهو ما سبق أن تناولته.

وكان الداخل الجزائري يشهد محاولة إحداث انشقاق في مستويات جماهيرية كان واضحا أنها معزولة على مستوى الجمهورية كلها، لكن ضجيجه الذي كانت تضخمه وسائل إعلامية فرنسية وعربية كان أمرا مزعجا، يشبه ما يحدثه ذباب حول رسّام يحاول إعداد لوحة في الهواء الطلق.

ولم يكن الوضع الاقتصادي مما يمكن أن يملأ النفوس بالاطمئنان إلى الغد، وكانت الساحة السياسية تعاني من نفس الفراغ الذي اختفت فيه الطبقة السياسية الفاعلة، وبدا أن منطق الهواة هو المسيطر على معظم التصرفات، وتقلصت شخصيات سياسية همّشتْ نفسها فقضت على كل وجود لها يمكن أن تحقق به تأثيرا ولو معنويا على مجريات الأمور.

ونتيجة لكل هذا بدت الجزائر على الساحة الجهوية والدولية كقوة مشلولة الأداء، وضاع بريقها وتألقها وتآكلت فعاليتها، وتجلّى هذا في عجزها عن مواجهة القنابل المتفجرة شرقي حدودها، حيث راحت قوًى من خارج المغرب العربي تتطاول على ليبيا، وهي التي تشكل واحدا من حدود الأمن القومي الجزائري، ووجدت تونس نفسها في وضعية من لا يجد تفهما ولا نصيرا، وهي التي كانت ترى في الجزائر ضمانا لاستقرارها وأمن شعبها، وراح أشقاء آخرون يتابعون ما يجري بعواطف متباينة وأحيانا متناقضة، تنسى حكاية الثور الأبيض.

وتجلى الهزال السياسي والديبلوماسي الجزائري في استبعاد الجزائر، بكل صفاقة، من مؤتمر برلين، الذي خصص لدراسة الوضع الليبي، وكان واضحا أن أوروبا تنظر إلى الجزائر من خلال نظارة فرنسية، كانت تلوثها توجهات شبه جزائرية، ممن كان ديبلوماسيّ فرنسي سابق يسميهم “معارضة سان جيرمان”.

كان هذا هو الوضع الذي وجد عليه عبد المجيد تبّون  الجزائر صبيحة يوم 13 ديسمبر 2019 ، وكان عليه أن يواجهه مع أول انطلاقة حكومية للوضع الجديد.

وأعترف هنا أنني أتعامل مع الواقع اليومي من موقع المراقب الذي لا يملك أي اتصال عضوي بالسلطات العليا، ولا السفلى، وأعتمد في تحليلي للأحداث على ما أحس به من موقع المتابعة الإعلامية التي يتعامل بها مع الأحداث أي مواطن لا يملك سلطة ولا نفوذا.

ومن هنا فلست أرى أن عليّ أن أفسر مواقف رئيس الجمهورية أو أبررها، بل أكتفي بأن ألاحظ البروز المتميز والمفاجئ للديبلوماسية الجزائرية على الساحة الجهوية والدولية، والذي دفع السيدة ميركل إلى المسارعة بمكالمة الرئيس الجزائري لتهنئته بالفوز، بعد نحو عشرين يوما من إعلان النتائج الانتخابية، وتدعوه للمشاركة في مؤتمر برلين، الذي عوملت الجزائر بالنسبة لها في الأسابيع الماضية وكأنها جمل أجرب، بل وللقيام بزيارة رسمية لألمانيا.

وأذكر هنا بالاتصال المباشر بالأمين العام للأمم المتحدة الذي تناول أحداث ليبيا، والذي أظن أنه الاتصال الأول من نوعه.

وفي الوقت نفسه، كان تنديد السلطات الجزائرية بالهجوم الجبان على الكلية العسكرية الليبية موقفا جعل كثيرين، هنا وهناك، يتذكرون موقف الجزائر إثر الهجوم الجوي على قاعدة جمال عبد الناصر الليبية في 1977 (ولن أدخل في التفاصيل التي أدت إلى وقف العدوان المصري قبل أن ينتهي اليوم)

ولن أتوقف عند الزيارة الأولى للرئيس السراج إلى الجزائر ولا عند الزيارة المرتقبة للرئيس التونسي قيس سعيد إلى الجزائر، وبين تلك وهذه زيارة وزير الخارجية التركي إلى الجزائر، والتي لم تمنع الديبلوماسية الجزائرية من التعبير عن قلقها من التدخلات “الخارجية” في الشأن الليبي.

وبعد هذا مباشرة تأتي زيارة وزير الخارجية الإيطالي للجزائر.

ويتذكر البعض بيت الشعر القائل : إذا رأيت نيوب الليث بارزة….

ولعلي آمل أن يتبلور اتجاه لعقد مؤتمر قمة لدول المغرب العربي، قد يكون فرصة للأشقاء في المملكة المغربية لتفهم الموقف الواضح للرئاسة الجزائرية، التي ركزت على أن قضية الصحراء الغربية هي قضية من اختصاص منظمة الأمم المتحدة، ولكي يدرك الأشقاء أن الفرصة اليوم سانحة لبروز المغرب العربي كقوة إقليمية تتحكم تدريجيا في مصير المنطقة، بعيدا عن الإملاءات والضغوط والرشاوى الخارجية.

وإذا كنت لا أحبذ الدعوة لقمة عربية، لأن الجامعة العربية لا تستحق أي اهتمام بها بعد أن أصبحت مجرد زائدة دودية لأكثر من نظام، وهوما قلته إثر اختيار الأمين العام الحالي لقيادتها، فإن الدعوة لقمة إفريقية تساهم فيها الدول العضو في مجلس الأمن قد تكون اليوم أكثر من ضرورة، وخصوصا بعد زيادة التعقيد في الوضعية التي تعرفها العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد اغتيال القائد الإيراني والردّ الإيراني “الرمزي” عليها.

وقل اعملوا……

مفكر ووزير اعلام جزائري سابق