fbpx

د.العيسى يحاضر في الجامعة الكاثوليكية الإيطالية عن الصداقة والتعاون بين الأمم والشعوب

الكاتب: عماد الدين . د

بدعوة من الجامعة الكاثوليكية الإيطالية ألقى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي رئيس مجلس هيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى محاضرة عن الصداقة والأخوة بين الأمم والشعوب مستعرضاً نماذج من ذلك تمثلت في العلاقة الإيجابية بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي والتي توطَّدت مؤخراً من خلال العلاقة المتميزة بين رابطة العالم الإسلامي والفاتيكان.
وقال المتحدث إنّ قيمة الأخوة والصداقة تعني لنا جميعا المحبة، والضمير الصادق، والثقة المتبادلة، وبالتالي سهولة الحوار والتفاهم، والعمل سوياً على المشتركات التي نتفق من خلالها على قيمنا الإنسانية التي تمثل القانون الطبيعي لنا جميعاً والذي رسخته الشرائع السماوية، موضحاً أنّ الصداقة هي أجمل ما يمكن أن نتحدث عنه، وعندما نقول الصداقة نعني بها الصداقة الفعَّالة، وليست الصداقة المرحلية التي تتبادل المصالح أو المجاملة المادية والإعلامية؛ فهذه لا تعدو أن تكون ظاهرة شكلية لا قيمة لها.
وأضاف العيسى أنّ الأفكار المتحضرة تتميز من خلال تفاعلها الإيجابي مع مفهوم الأسرة الإنسانية الواحدة، وتفاهم وتعاون أتباع الأديان والثقافات، والاحترام المتبادل بينهم، وبالتالي حوار وتفاهم وتحالف الحضارات لخدمة الإنسانية في سلامها ووئامها الذي نتحمل جميعاً مسؤوليته فيما يخصنا، مؤكدا أنّه من الطبيعي أن نختلف دينياً وسياسياً وفكرياً وثقافياً، لكن ليس من المقبول أننا بسبب هذا الاختلاف لا نتعارف ونتقارب ونتحاور ويُحبَّ بعضنا بعضاً ونعمل سوياً على مشتركاتنا، والتي أجزم أن عشرة بالمائة منها فقط كفيلٌ بإحلال السلام والوئام في عالمنا.
وكشف المتحدث عن إطلاق مبادرة عالمية ستعمل عليها الرابطة بكل إمكانياتها وهي تحمل عنوان: (تعزيز الصداقة والتعاون بين الأمم والشعوب.. من أجل عالم أكثر تفاهماً وسلاماً.. ومجتمعاتٍ أكثرَ وئاماً واندماجاً).
وتابع د.العيسى أنّ مشكلة الأسرة الإنسانية ليست في شكلية الصداقة فهذه من السهولة أن تقال لكنها تظل جسداً منحوتاً بدون روح؛ بل المشكلة والمُعاناة الحقيقية تكمن في عدم القدرة على إيجاد القيمة العليا للصداقة، والتي يجب أن تكون ملهمة للآخرين من خلال تعبيرها الرائع والصادق، والمشكلة الأكثرُ ألماً هي رفضُ هذه الصداقة بسبب تحفظ سياسي أو ديني أو فكري أو عنصري، وهذا التحفظ يعني وجود تطرف يهدد صداقة وسلام ووئام عالمنا.
وزاد أنّ الاخيار أثبتوا في عالمنا أنهم وحدهم القادرون على إيجاد المعنى الحقيقي للصداقة. وهؤلاء الأخيار هم من يستحق أن يَكُونوا قُدوة للآخرين في القيم الإنسانية، فهم الملهمون حقاً، وهم من يُراهن على إسهامهم الكبير في صناعة السلام والوئام بين الأمم والشعوب. والصداقة الحقيقية والإسهام الفاعل في خدمة الإنسانية هي معيار القيم بعيداً عن الادعاء والاستعراض المجرد، وقيمة الإنسان فيما يقدمه للآخرين، هذه القيمة هي التي جعلته يستحق وصف الإنسانية، وفي الإسلام يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس”.
واكد معاليه إن علينا جميعاً مسؤولية مشتركة في حفظ القيم الإنسانية للأجيال القادمة التي تدعم سلامهم ووئامهم والاحترام المتبادل بينهم وتعزيز الوعي بحتمية الاختلاف والتنوع. وأيضاً تعليم الأجيال القادمة الأسلوب المناسب في التواصل مع الآخرين وكيفية التعامل مع الأشرار وخاصة حاملي خطاب الكراهية والعنصرية.
وقال د.العيسى أن على المنصات الدينية والتعليم والأسرة مسؤولية كبيرة ومن هنا تأتي أهمية قيام كل منها بواجبه الأخلاقي. كما من المهم أن يراعي خطاب المشاركة الدينية الذي يهدف إلى الإسهام في تعزيز السلوك الإنساني كلاً من الروح والعقل والواقع، مضيفاً أن عزوف البعض وخاصة في صفوف بعض الشباب عن المشتركات الإيمانية التي نتحدث عنها سوياً يعود إلى ضعف كفاءة مخاطبة المنطق والعقل وضعف التأهيل في مناقشة الموضوعات المثارة.
وأشار معاليه إلى أنه: من واقع علاقتي بالأديان جميعاً أدرك أن هناك فراغاً في أسلوب مخاطبة الشباب، والذي يريد مخاطبة منطقه وأسلوب تفكيره وأن يَنْزل لمستوى مشاعره والمحيطِ الذي يعيشه الشباب. مؤكدا إن كل سلوك سلبي يتعلق بانحدار القيم والأخلاق وخاصة البعد عن الإيمان نتحمل مسؤوليته بالتضامن كل فيما يخصه، وإن ضبط القيم الأخلاقية والمحافظة على معنى الإنسانية يبدأ من “الوجدان” و”العقل” معاً والتفكير في منطقة الواقع والقدرة على استيعابها وتحليلها وإيجاد الحلول لها، وقد نشخص الحالة تشخيصاً صحيحاً لكن قد لا نحسن وصف علاجها وقد نحسنه لكن لا يتم أخذه بالطريقة الصحيحة، لقد دخلت على عالمنا مظاهر لا يقبلها الإيمان بالخالق وبالتالي ترفضها كافة الأديان السماوية، وهي تنحدر بالإنسان لتجرده من كل القيم التي ميزته كإنسان.
واعتبر معاليه إن انعزال الأديان في دُور عبادتها بعيداً عن القيام بواجبها الأخلاقي والإنساني ينافي الواجب عليها ويحولها إلى مؤسسات شكلية ويزعزع الثقة بها. ومن المهم أن تأخذ الأديان بزمام المبادرة للحوار المفضي للمحافظة على القيم الإنسانية والسلام والوئام بين الجميع، وأن تكون حكيمة ومترفقة مع مخالفيها.
وتابع اننا كلنا نعلم أن بوابة السلام والوئام بين كافة أشكال الاختلاف والتنوع الإنساني هو الاحترام المجرد وهو الذي يمهد بشكل تلقائي للحوار والتفاهم والذي لا بد أن يكون موضوعياً. لكن نسأل أنفسنا هل كانت السجالات الدينية والثقافية طيلة التاريخ الإنساني خالية من الأخذ بخيار الحوار؟. الواقع أن خيار الحوار كان موجوداً في كثير من الأحوال، لكنه لم يكن فعَّالاً بالقدر اللازم لنجاحه.